عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

62

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

( الحكاية الثانية والعشرون : عن مالك بن دينار رضي اللّه عنه ) قال دخلت جبانة البصرة فإذا أنا بسعدون المجنون رضي اللّه عنه ، فقلت له كيف حالك وكيف أنت ؟ فقال يا مالك كيف يكون حال من أصبح وأمسى يريد سفرا بعيدا بلا أهبة ولا زاد ، ويقدم على ربّ عدل حاكم بين العباد ، ثم بكى بكاء شديدا ، فقلت ما يبكيك ؟ فقال واللّه ما بكيت حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت والبلاء ، ولكن بكيت ليوم مضى من عمرى لم يحسن فيه عملي ، أبكاني واللّه قلة الزاد وبعد المفازة والعقبة الكئود ، ولا أدرى بعد ذلك أصير إلى الجنة أم إلى النار ؟ فسمعت منه كلام حكمة فقلت : إن الناس يزعمون أنك مجنون ، فقال وأنت اغتررت بما اغتر به بنو الدنيا ، زعم الناس أنى مجنون وما بي جنة ، ولكن حبّ مولاي قد خالط قلبي وأحشائى ، وجرى بين لحمي ودمى وعظامي ، فأنا واللّه من حبه هائم مشغوف ، فقلت يا سعدون فلم لا تجالس الناس وتخالطهم ؟ فأنشأ يقول : وما زلت مذ لاح المشيب بمفرقى * أفتش عن هذا الورى ثم أكشف فما إن عرفت الناس إلا ذممتهم * جزى اللّه خيرا كل من لست أعرف فما كل من تهوى يحبك قلبه * ولا كل من تحبب يكن لك منصف وما الناس بالناس الذين عهدتهم * ولا الدار بالدار التي كنت تألف ( الحكاية الثالثة والعشرون : عن ذي النون المصري رضي اللّه عنه ) قال بينما أنا أطوف وقد هدأت العيون ببيت اللّه الحرام إذ أنا بشخص قد حاذى البيت وهو يقول رب عبدك المسكين الطريد الشريد من بين يديك ، أسألك من الأمور أقربها ومن الطاعات أحبها ، وأسألك بأصفيائك من خلقك الكرام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إلا سقيتنى بكأس محبتك ، وكشفت عن قلبي أغطية جهل معرفتك ، حتى أرقى بأجنحة الشوق إليك ، فأناجيك في أركان الحق بين رياض العرفان . ثم بكى حتى سمعت وقع دموعه على الحصى ثم ضحك وانصرف ، فتبعته وقلت في نفسي : هذا إما عارف وإما مجنون ، فخرج من المسجد وأخذ نحو خراب مكة ثم التفت إلىّ وقال : مالك ارجع أمامك ، فقلت ما اسمك يرحمك اللّه ؟ قال عبد اللّه . قلت ابن من ؟ قال ابن عبد اللّه ، قلت قد علمت أن الخلق كلهم عبيد اللّه وبنو عبيده ، فما اسمك ؟ قال سماني أبى